السيد محمد باقر الصدر

173

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

في مثل هذا المجتمع سوف تكون الآلة البخارية والآلة الكهربائية المعقّدة المتطورة الصنع تكون أداةً ، إمكانيةً على ساحة علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان ، تشكّل بحسب مصطلح الفلاسفة ما بالقوة للاستغلال ، ويبقى أن يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل ، وذلك على عهدة الإنسان ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية . فالإنسان هو الذي يصنع الاستغلال ، هو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغل حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية ، ولكن الآلة البخارية والكهربائية هي التي تعطيه إمكانية هذا الاستغلال ، هي التي تهيّئ له فرصة ، تفتح شهيته ، توقظ مشاعره ، تحرّك جدله الداخلي وتناقضه الداخلي من أجل أن يبرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من قوى الإنتاج ووسائل التوليد . وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية ، المادية التاريخية اعتقدت بأنّ الآلة هي التي تصنع الاستغلال ، هي التي تصنع النظام المتناسب لها ، ولكننا نحن لا نرى أنّ دور الآلة هو دور الصانع ، وإنّما دور الآلة هو دور الإمكانية ، دور توفير الفرصة والقابلية ، وأمّا الصانع الذي يتصرّف إيجاباً وسلباً ، أمانة وخيانة ، صموداً وانهياراً ، إنّما هو الإنسان وفقاً لمحتواه الداخلي ، لمثله الأعلى ، لمدى التحامه مع هذا المثل الأعلى . هذه هي العلاقة الأولى . العلاقة الثانية : وأمّا العلاقة القرآنية الثانية التي تمثّل وتجسّد تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة ، فمؤدّى هذه العلاقة القرآنية هو أنّه كلّما جسّدت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان العدالة ، وكلّما استطاعت أن تستوعب قيم هذه العدالة وأن تبتعد عن أي لون من ألوان الظلم